عفيف الدين التلمساني
22
شرح مواقف النفري
وهذه حالة يعرفها أهلها ، ومعنى تبدل الأرض العبد فيها بوصف سيده هو ما ذكر في الحديث من قوله : « كنت سمعه وبصره » « 1 » ، من غير حلول نعوذ باللّه منه ولا اتحاد بل وحدانية منزهة عن توحيد الأعداد ، وإذا ثبت هذا فلفظ مناظر قلوبهم أجل من لفظ نواظر قلوبهم ، وأنوار العزة تجلياته تعالى فإنه النور وتجلياته أنوار أيضا ، ومعنى « فما أتت على شيء إلا أحرقته » أي لم تبق القلوب مطمح نظر في السماء ولا في جوانب الأرض بل هذا التجلي تعلق القلوب به تعالى ، وتصرفها عن كل ما عداها ، فكأنه أحرق الأشياء أي أعدمها وهو استعارة . قوله : ( فلا لها منظر في السماء فتثبته ، ولا مرجع إلى الأرض فتقر فيه ) . قلت : معناه فلم يبق لها منظر في السماء تتعلق به ، أو تراه ثبتا بل تراه نفيا محضّا وذلك أنه نطق في هذه القلوب ناطق العز فرجعت فيه إلى العدم مبالغ كل حرف فلم تثبت هذه القلوب منظرا في السماء ويعني بالسماء الملأ الأعلى والجنة ونعيمها ، فإن الجنة فوق الفلك المكوكب أي ذلك البروج وهو الكرسي وسقفها عرش الرحمن وهو التاسع والحق تعالى منزه في استوائه على العرش عن الجهة والمكان ، وإنما ذكر ذلك تقريبا للأفهام فإن نبيه عليه السلام مأمور أن يخاطب الناس على قدر عقولهم وبذلك أنزل القرآن المجيد ، والمراد بقوله ولا مرجع إلى الأرض فتقر فيه أي أن هذه القلوب كانت قد خرجت أولا عن ملذوذات الأجسام ومطالبها وهي المتعلقة بالأرض وليس لها بعد ذلك مرجع إليها وكانت تعلقت بالملأ الأعلى ثم انتقلت عنهم بشهود أنوار العز ، فلم يبق لها في السماء موضع ولا إلى الأرض مرجع . قوله : ( وقال لي : خذ حاجتك التي تجمعك عليّ وإلا رددتك إليها وفرقتك عني ) . قلت : هذا التنزل تعرّف إلى العبد من معنى السلوك وهو تجل من حضرة اسمه الهادي هداه تعالى إلى ما يحتاج في سلوكه إليه ، والحاجة التي تجمع العبد
--> ( 1 ) روى نحوه البخاري في صحيحه ، باب من جاهد نفسه في طاعة اللّه ، حديث رقم ( 6137 ) [ 5 / 2384 ] وابن حبان في صحيحه ، ذكر الإخبار عما يجب على المرء من الثقة باللّه . . . ، حديث رقم ( 347 ) [ 2 / 58 ] ورواه غيرهما ، وفيه : « . . . كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به . . . » ورواية المتن أوردها الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، في بيان عدد الأبدال وصفاتهم » [ 1 / 264 ] .